القاضي عبد الجبار الهمذاني

39

المغني في أبواب التوحيد والعدل

قيل له : إن كون الفعل داعيا إلى فعل سواه لا يقتضي فيه أنه حسن . ولذلك نعلم أن الفعل قد يدعو إلى القبيح فيكون مفسدة ، كما يدعو إلى الواجب فيكون لطفا فيه . وهذا معلوم عند الاختيار . ولا فرق بين أن يقال فيما يدعو إلى غيره إنه يجب أن يكون حسنا ، وبين ما يدعوه غيره إليه . فإذا جاز فيما يدعو غيره إليه أن ينقسم إلى قبيح وحسن ، فكذلك فيما يدعو إلى غيره . فإذا / صحت هذه الجملة ، وكان الوجه الّذي من أجله نفينا ( ما يفعله تعالى ) من الألطاف أن يكون قبيحا ، والوجه الّذي لأجله أوجبنا في اللطف إذا كان من فعل غير المكلف أن يكون واجبا أو ندبا غير ثابت في فعل الغير ، فما الّذي يمنع أن يكون في أفعاله ما يصح ويعلم من حال غيره أنه يختار « 1 » عنده الواجب ، فيكون ذلك في الصحة بمنزلة أن يكون مباحا ، لكنا لا نطلق على ما هذا حاله أنه لطف لما فيه من الإيهام ونقيد القول فيه تقييدا . فإن قال : فيجب في فعل الغير أن لا يكون لطفا للمكلف وهو واجب ؛ لأنكم بينتم بما تقدم من الكلام مفارقة فعله لفعل المكلّف والمكلّف . قيل له : إنما حكمنا بأنه مفارق للمكلّف والمكلّف في أنه لا يجب فيما هو لطف من فعله أن يكون واجبا ، فيجب أن يكون مباحا ، ولا يمنع ذلك من أن يكون فيه ما يكون واجبا وندبا ، فكان فعل الغير على تصاريف أحواله قد يجوز أن يكون لطفا ، فلا دليل يوجب أنه لا يكون لطفا إلا إذا وقع على وجه مخصوص . وليس كذلك من فعل المكلف ، لأنه لا يكون لطفا إلا على وجهين : أحدهما بأن يكون واجبا ، والآخر بأن يكون ندبا ؛ فأما فعل المكلف فلا يكون لطفا إلا على وجه واحد ، وهو أن يكون واجبا ، فاعتبره الجميع على هذا الوجه .

--> ( 1 ) في الأصل : « أن يختاره » .